الشيخ محسن الأراكي
29
نظرية الحكم في الإسلام
التي تعتلج في نفس الإنسان الفرد إرادة موجبة للفعل الذي تعلّقت به يمتنع على ذلك الفعل أن يجد سبيله إلى الوجود . بل وإنّ الإرادة لا تكون إرادة إلّا إذا تحتّم صدور الفعل عنها ، وكل إرادة لا تسبغ على متعلّقها صفة « اللزوم » و « الحتم » ولا تكون ملزمة لمتعلّقها وموجبة له إيجابا حتميّا لا تكون إرادة حقيقية ، فإنّ الإنسان المردّد في القيام بفعل ما - وإن ترجّح عنده الفعل رجحانا غير محتوم - ؛ لا يملك الإرادة التي يفعل بها الفعل ، ولا توجد الإرادة في ذاته إلّا إذا قرّر إيجاد الفعل قرارا حتميّا من غير ترديد . فالإرادة الفردية إذن متقوّمة في ذاتها بعنصر « الإلزام » ، وهذه الإرادة الفردية هي العنصر الأساس في شخصيّة الإنسان الفرد ، وسلطته على ذاته وأفعاله وتصرّفاته . والأمر كذلك في مجال الإنسان المجتمع ، فإنّ الشخصيّة الاجتماعية للمجتمع إنّما تكون صاحبة سلطة على ذاتها عن طريق الإرادة الملزمة التي يتحتّم على أفراد المجتمع ومؤسّساته - وهم أعضاء الجسم الاجتماعي وأطرافها - تنفيذها والالتزام بها ، ولا يمكن لعنصر الإلزام أن ينفصل عن السلطة الاجتماعية السياسية ؛ لأنّ السلطة السياسية في المجتمع متقوّمة بعنصر الإلزام هذا ، وبفقدانها لعنصر الإلزام تفقد السلطة السياسية للمجتمع هويّتها وحقيقتها ، كما تفقد السلطة في الشخصيّة الفردية هويّتها بفقدان الإرادة الفردية لعنصر الإلزام . الفارق بين السلطتين : الفردية والاجتماعية وعلى رغم هذا التشابه بين السلطة الفردية والسلطة السياسية الاجتماعية في اتّصافهما معا بعنصر الإلزام - باعتباره جوهر السلطة فيهما - ، لكنّ هناك فارقا أساسيا في طبيعة الإلزام بينهما ؛ يتمثّل في أنّ السلطة الفردية إنّما يتوجّه إلزامها إلى قوى الفرد وأعضائه التي تخضع لسلطة الإرادة الفردية خضوعا جبريا تكوينيا ، فلا تملك من